عبود عبدالرحيم يكتب: (اخبار اليوم).. صمود يقاوم المستحيل والظلم
في مثل هذا الصباح من اليوم 15 اغسطس للعام 1994 إزدانت المكتبات في العاصمة والولايات باستقبال العدد الاول من صحيفتنا (اخبار اليوم) اليومية الشاملة المستقلة، وحملت في اعدادها الأولى بشريات الغلابة من المواطنين بكشوفات الخطة الاسكانية للمستحقين من أبناء بلادي.
الصحيفة التي صدرت عن شراكة حسب القانون في ذلك الوقت، ثم لاحقاً بعد تعديل القانون وبتوافق الشركاء آلت (أخبار اليوم) لصاحبها ومؤسسها الفخيم والهرم الصحفي الاستاذ احمد البلال الطيب، والذي فتح ابوابها لكل جيل تلك الحقبة من الصحفيين وإكرام كبار الاساتذة عملاً بنهج (الوفاء) الذي اقترن اسمه بصفتها.
قائمة الصحفيين الذين عبروا من أخبار اليوم للصحف الاخرى حتى بلغ بعضهم (نادي رؤساء التحرير)، وبعضهم الآخر فتحت لهم ابواب الهجرة وآخرين انتقلوا للتلفزيون، لو اننا احصيناهم لما احتواهم هذا المقال، هذا من باب التذكير فان الذكرى تنفع الصحفيين.
صاحب أخبار اليوم وقائد مسيرتها التي امتدت للآن 28 عاماً ظل يراهن الجميع ونحن معه مراهنون على استقلاليتها المهنية والمالية ومنهجها الاخلاقي، رغم الصعاب والمتاريس التي وضعت امامها،
قاومت اخبار اليوم ومؤسسها الذي نفخر به نحن، ويفخر هو بانه صحفي يحرر الخبر ويجري الحوار، قاوم كل الصعاب وتعامل بخبرة وحكمة مع الاتهامات المختلفة، كان كبار قادة الحكومة يقولون ان اخبار اليوم (منشور معارضة)، بينما يقول المعارضون وحملة السلاح ان اخبار اليوم (ناطقة باسم الحكومة)، ولعمري فان هذا هو النجاح الاكبر، لا احد يتفق مع الآخر في تصنيف أخبار اليوم، وجميعهم لا يعلمون ولا يريدون الاعتراف ان استاذنا احمد البلال صحفي مستقل تختلط المهنية بالدماء في عروقه.
تربعت اخبار اليوم على صدارة تصنيف الصحف توزيعاً وانتشاراً لعدد من السنوات قبل ان تتعرض لظلم وحصار الاعلان الحكومي بسبب منهجها الوفاقي وفتحها صفحاتها لكل الاحزاب وقادة التكوينات السياسية من اقصى اليمين الى اقصى الشمال، حتى الحركات المتمردة في ذلك الوقت تجد مساحات لنشر وجهة نظرها، خاصة من خلال زاوية (نقطة نظام) التي كان الاستاذ احمد البلال يتناول عبرها حتي البيانات التي تصدرها حركات التمرد حول القضايا في الساحة.
عرفت أخبار اليوم بالصحيفة التي لا تتثاءب ولا تغيب عن المكتبات، لا يوم جمعة.. ولا يوم عيد، حتي العيدين الكبيرين (الاضحى والفطر) كان المصلون بعد صلاة العيد يجدون اخبار اليوم في متناولهم بآخر الاخبار.
نحن الذين شهدنا ميلاد اخبار اليوم في لحظاتها الاولى، لا تغيب هذه الذكرى، رغم المياه الغزيرة جداً التي جرت تحت الجسر، ونحن اليوم نشهد قائدها وناشرها يقاوم اسوأ الاوضاع والظلم المتعاظم، ولكنه - حفظه الله - يبقى صامداً قوياً متوكلاً علي الذي لا يظلم عنده احد،، ونحن نرفع الاكف متضرعين ان يقتص الله له وينصره ويرفع عنه الظلم في دولة ترفع شعار (العدالة والحرية).
ومع الظلم الذي لازال يتعرض له ناشرها، واصلت اخبار اليوم إصدارها خلال هذا العام وقاومت كل عوامل الغياب، من التقلبات الاقتصادية المتصاعدة وارتفاع تكاليف الاصدار بعد انهيار العملة الوطنية في مواجهة العملات الحرة التي تشكل حجر الزاوية في شراء مقومات النشر والطباعة من ورق واحبار واجهزة المونتاج، وكل ذلك باهتمام ومتابعة لصيقة من استاذنا احمد البلال الطيب عبر الاتصالات والوسائط، فهو من علي البعد يتابع كل شيئ ويدلي بملاحظاته وتوجيهاته بنظرته الفاحصة.
وهنا تتكامل الجهود بالذراع الايمن للاستاذ ونائب رئيس التحرير صديقنا عاصم البلال الطيب الذي يتميز بخبرة سنوات الرفقة في العمل الصحفي المهني بصبر واحساس مسؤولية نادرين تمكن بهما من قيادة المهمة الصعبة والمحافظة علي استمرار اسم اخبار اليوم ومكانتها، ويواصل معه لعام جديد الاوفياء من الحرس القديم لاخبار اليوم، زميلنا نادر حلفاوي صاحب المواهب المتعددة والصنائع العشرة من تحرير اخباري ورياضي ومنوعات وتغطيات وسفر للولايات وكذلك الابداع في التصميم وكافة المعالجات الفنية التي يتفوق في ادائها رغم ضغوط الزمن ومسابقة جدول انقطاع الكهرباء.. نادر حلفاوي يستحق نجمة الانجاز لهذا العام.
نعم، ربما كان خلال هذا العام طاقم العمل محدود بسبب ظروف تعاني منها كل البلد، ولكن هناك جهد عظيم للعدد المحدود من الزملاء الذين يواصلون الصمود في وجه الصعاب ويتجاوزونها بصبر ووفاء لاستاذ اعطى وما استبقى شيئاً، حيث يواصل الزملاء عمر بابكر ونجاة صالح والرشيد احمد والمستشار الكاتب الفخيم أبشر رفاي، يواصلون الانتظام بتسجيل الحضور الشخصي والمعنوي، فمكاتب الصحيفة مثل كل مكان يحييه الاعمار بالوجود وبذل العطاء المشهود، ومع ذلك فالتقدير لكل الزملاء الذين يسجلون ايضاً حضوراً اسفيرياً باستخدام الوسائط الالكترونية للمساهمة بمشاركتهم التحريرية وفق الامكانيات ومصادر الاخبار المتاحة، وهناك ايضاً الزملاء في مجالاتهم المتخصصة التي يكتمل بها حضور اخبار اليوم بالمكتبات، منهم الباشمهندس خضر عبدالغني الذي يعالج كل كبيرة وصغيرة في اجهزة الحاسوب التي تعتمد عليها الصحيفة وتتميز باحدث الموديلات، وباشمهندس خضر صاحب معرفة واسعة بتحديثات الشبكة العنكبوتية ومواقع الانترنت التي كل يوم تضيف خصائص جديدة لمهنة الصحافة، فهو قريب من طاقم التحرير ومعاون اساسي في استدراك معالجة حالات الطوارئ التي تواجه الاجهزة، ومن الادارات المهمة جداً بالصحيفة، هناك مدير الاعلانات معاذ سراج وفني المونتاج عادل بابكر، وادارتي الطباعة والتوزيع.
وفي هذا اليوم نبعث بالتحية لكل كتاب الرأي في مجالات السياسة والاقتصاد والرياضة والمنوعات والفنون الذين تزدان بهم صفحات اخبار اليوم بمقالات تمثل عنواناً لحرية الراي والمنبر المفتوح دون تقييد لقراءة الواقع السوداني الماثل، وفي تقديري ان عدداَ من كتاب الراي وجدوا مساحتهم في اخبار اليوم دون تدخل او حجر، حتى اصبحت تمثل برلماناً يتم خلال صفحاتها التداول حول كل قضايا الوطن وابتدار مقترحات حل الازمة السودانية.
وخلال العام الذي انتهى امس من عمر صحيفتنا اخبار اليوم، تابعت الصحيفة بمهنية عالية مجريات الاحداث في بلادنا، وافردت المساحات الواسعة بالصورة والقلم لمليونيات لجان المقاومة والمواكب في الخرطوم والولايات، ورصدت بحيادية انشطة ومؤتمرات القوى السياسية المختلفة وفتحت صفحاتها لنشر مخرجات المداولات السياسية من مواثيق واعلانات دستورية ومبادرات متعددة في الساحة أملاً في الوصول لتوافق وامتداداً لنهج الصحيفة الوفاقي الذي بدأت به مسيرتها عام 1994.
واتاحت الصحيفة مساحات واسعة كذلك لرصد تفاصيل الازمة الاقتصادية ونشرت كل ما تفضل به الخبراء من مقترحات ومفاهيم لمعالجات اقتصادية كبيرة ومعاناة الناس في معاشهم وخدماتهم، وخلال الفترة الاخيرة تشرفنا بعودة الاستاذ عبدالعظيم صالح وهو احد قدامى المحاربين في اخبار اليوم، عاد لداره باذلاَ كل خبراته الصحفية في تقديم وجبة اقتصادية دسمة لقراء اخبار اليوم، ترافقه مساندتنا ودعواتنا له بالتوفيق.
تبقي فرحتنا اليوم بحلول عام جديد في عمر (أخبار اليوم) منقوصة بغياب قائدها ومؤسسها وربانها استاذنا احمد البلال الطيب الذي يتعرض لظلم غير مسبوق لأحد من اهل الاعلام في بلادي، وللأسف يحدث هذا الظلم تحت سمع وبصر الجميع، ومعروف ان الاستاذ ليس له علاقة بحكومة سابقة ولم يكن من قادة ذلك النظام ولا عضواً مسجلاً في لجانه الاعلامية التنظيمية، بل ان التاريخ واهل الذمة بجهاز التلفزيون الحكومي (في حقبة الانقاذ) يشهدون للاستاذ احمد البلال الطيب انه ظل يقدم جهده الاعدادي والتقديمي لبرنامجه ذائع الصيت (في الواجهة) دون مقابل، بل ان شهادة عاملين بالتلفزيون يؤكدون انه كان يصرف من حر ماله لتنفيذ الحلقات التي يشهد موقع اليوتيوب علي حجم التفاعل معها والقضايا التي تناولها في مجالات السياسية والخدمات وقضايا الناس التي كان يطرحها علي الهواء مباشرة.
احمد البلال بنى نفسه وامتلك امواله من مصادر عمله الاعلامي المعروف والمكشوف لكل باحث عن الحقيقة، لم يتلوث بأي من المصادر الحكومية او المجهولة، لكنه يتعرض للظلم ويواجه اتهام بلاغ بالثراء الحرام.
اكتب ذلك واتمنى ان تبلغ هذه الرسالة لجهات الاختصاص لاحقاق الحق ورفع الظلم، وقد سبقني بالكتابة في هذا الامر عدد من اساتذتنا وزملائنا الصحفيين ولكن لم يحدث جديد والظلم مستمر، لكننا نخطو بثقة نحو عام جديد..
كل عام واخبار اليوم بخير
كل عام والقراء بخير


