ورحلت (أم افريقيا).. ملهمة الأجيال
على سعاد فالتبك النساء والرجال
بقلم: د. عبد المحمود النور محمود
رحلت عن دنيانا الفانية في هذا اليوم المبارك (الجمعة 23 ديسمبر 2022)، البروفيسور/ سعاد الفاتح البدوي، (أم افريقيا) التي حازت هذا اللقب عن جدارة بسبب الشهرة الواسعة في مجال العمل النسوي عربيا وإفريقيا، فهي من الرائدات القلائل اللائي خدمن وقدمن في هذا المجال، وقد كرمتها النائبات في برلمان عموم إفريقيا وأعتبرنها "أما لأفريقيا" تكريما لسيرتها الحافلة والملهمة في العمل النسوي.
هي من نساء الحركة الإسلامية الاوائل اللائي خلدن سيرة حافلة بالبذل والعطاء، لم تترك عذرا للشباب من أبناء وبنات وأصحاب المشروع الإسلامي في مواجهة أصحاب المشروع العلماني الذي يقوده عملاء الغرب في السودان..
لم تترك عذرا وهي تصعد منصة (حراك الزحف الاخضر) وهي على "كرسي متحرك" لم يمنعها المرض والقعود عن مجاهدة أهل الباطل في عهد حكومة حمدوك المشؤومة سيئة الذكر الذي بلغ فيها دعاة الباطل مبلغا كبيرا وهم يعملون على طمس هوية ودين هذا الشعب..
كيف لا تفعل ذلك وقد عرفت البروفيسور/ سعاد الفاتح البدوي بقوة الشكيمة وشدة البأس في مناهضة الباطل والفساد حيثما كان وكيفما كان، حيث شغلت في عام 1981 مقعدا في مجلس الشعب وكانت أحدى إمراتين انتخبتا في الجمعية التأسيسية 1986 مع المرحومة الاستاذة/ حكمات سيد أحمد، وتشهد للبروفيسور سعاد ردهات وقاعات المجلس الوطني (البرلمان) في فترة الإنقاذ بمواقفها الصلبة ودفاعها المستميت عن قيم الدين ودفع الشبهات ومنع تمرير كل ما يمكن أن يسيء إلى تجربة المشروع الإسلامي في السودان..
كانت امرأة مناصحة للقيادة لا تخشى في الحق لومة لائم لها هيبة وحضور طاغ في كل محفل يعز الدين والوطن، فلطالما وقفت أمام الرئيس البشير، مناصحة له تارة، ومؤازرة له تارة أخرى، وكان هذا ديدنها حتى في عهد الرئيس الأسبق/ جعفر نميري، رحمه الله..
وكان الرئيس البشير يكن لها كل التقدير والاحترام، وهو الرجل الذي يعرف قدر الرجال والنساء معا، لا سيما اؤلئك الذين قدموا للدين والوطن إسهامات في مختلف المجالات دون تمييز بينهم في الانتماء او القرابة، وكانت سعاد الفاتح من اؤلئك النفر الكريم الذين يحفظ لهم تاريخ الاسلام في السودان صولات وجولات ومجاهدات راسخة..
كيف لا وهي التي أسهمت بمواقفها الشجاعة في مناهضة الحزب الشيوعي السوداني إلى أن تم حله في ١٩٦٥ م حيث كانت مناهضتها لما أثاره طالب في معهد المعلمين العالي - أعلن أنه ماركسي - وقال (أن الزنا كان يمارس في بيت الرسول) ، وخاض في عرض السيدة عائشة رضي الله عنها.
كذلك كان لها موقفها الشجاع عند تشييع الرئيس الأزهري في عام 1969عندما توفي في السجن (بعد سيطرة الشيوعيين على السلطة عبر انقلابهم المعروف)..
لها الفضل الكبير في مناصرة قضايا المرأة في السودان ، وكانت من اشرس النساء في مواجهة ناشطات الحزب الشيوعي، وانتشار الفكر الجمهوري الضال آنذاك، لذلك تجد اكثر الذين يحاولون النيل من شخصية سعاد الفاتح هم الشيوعيون والجمهوريون..
شاركت سعاد الفاتح في مؤتمر المرأة العربية عام 1956، ثم مؤتمر المرأة في الاتحاد السوفييتي عام 1957، وكانت عضوا في اللجنة التنفيذية لاتحاد المرأة السوداني عندما كان موحدا، ثم أنشأت في الستينيات بعد أكتوبر الجبهة النسائية الوطنية، كما أسست ا. د.سعاد الإتحاد النسائي الإسلامي العالمي في عام 1996 ، وترأست هيئته القيادية لأكثر من دورة..
وكانت من الذين أسسوا جبهة الدستور، وجبهة الميثاق الإسلامي ثم الجبهة الإسلامية القومية، وكانت صحفية وإعلامية متميزة فهي أول رئيسة تحرير في مجلة "المنار" المجلة النسوية الأولى في السودان .
تلقت سعاد الفاتح تعليمها في الخلوة ثم في المدرسة، في زمان ما كانت البنات يسمح لهن بذلك، وكانت من المتفوقات جدا حتى قبولها بجامعة الخرطوم ، وكانت واحدة من أول أربع نساء يحصلن على شهادة البكالوريوس من كلية الآداب .
ابتعثت إلى بريطانيا لاستكمال دراستها ، وعملت بالتعليم الثانوي ، ثم انتقلت إلى المملكة العربية السعودية للعمل مستشارة لتعليم البنات لدى اليونسكو وعملت عميدة لكلية البنات الجامعية هنالك. وشاركت في إنشاء كلية التربية في الرياض، ثم عادت إلى جامعة الخرطوم ونالت درجة الدكتوراة، وكانت أول عميدة لكلية الآداب جامعة امدرمان الاسلامية، وكانت أول أكاديمية من النساء السودانيات تحصل على درجة الإستاذية (بروفسير) من جامعة إدنبرة في اسكتلندا..
منعتها لجنة إزالة التمكين من السفر للخارج، رغم أنها اكاديمية وصحفية وسياسية ناشطة، لم تتقلد اي منصب حكومي.. كتب عنها الكثيرون من داخل وخارج السودان مشيدين بها وبتجربتها واسهاماتها الكبيرة، لأنها كانت مدرسة متفردة في العطاء والعمل العام، وهي من أبرز المساهمين في مسيرة المرأة السودانية والعربية والإفريقية، وتعتبر سيرتها ومسيرتها نبراسا وقدوة صالحة للأجيال ..
الا رحم الله فقيدة الوطن واسكنها فسيح جناته مع الشهداء والصديقين والصالحين وحسن أولئك رفيقا ..
