Boushnews

Boushnews

موقع اخباري سوداني مستقل

 

بقلم: راشد عبد الرحيم

ذاك الزمان كان الناس علي فطرتهم التاسعة مساء يخلدون إلي النوم و لا تسمع في الطرقات إلا بعض نباح كلاب متقطع او اصوات قطط متشاكسة .
مع نسمات الفجر و بعيد الأذان الثاني نسمع مزلاج الباب و هو يفتج بهدوء . و خطوات علي الأرض و كأنها تلامسها في رفق حفيف منغم و كأنما صاحب المسير يحادث ما يمشي عليه حتي يبلغ منتهاه .
ثم تقام الصلاة و كانما الذي سمعناه سيمفونية مرتبة موزعة النغمات .
كانت تلك خطوات الشاب العابد عمنا عمر عبد الوهاب .
كل شئ منتظم حياة ليس فيها غير عبادة خالصة لا تعرف طريقا لمضارب اللهو والتسلية.
إنتظام في اليوم و الليلة و الأسبوع و الشهر .
اليوم كل الصلوات في المسجد عدا الظهر في موقع العمل. وفي اليوم ساعة بعد العصر في مدارسة يوم لتفسير إبن كثير و يوم للفقه من كتاب نيل الاوطار للإمام الشوكاني وبعد المغرب حلقة التلاوة في المسجد .
الجمعة يومها حافل رحلة إلي حي السجانة حيث الحلقة الراتبة في السيرة يقدمها الشيخ  الصافي جعفر الصافي في منزله .
ذاك يوم بطعم سوداني خالص تنسجه إمرأة سودانية خالصة هي السيدة بنت المدني والدة الشيخ الصافي .
رغم سنها فقد كانت سابقة للنساء اول إمراة أراها تقود الدراجة .
كل جمعة تقود دراجتها إلي السوق لتات محملة بذاك الإفطار الذي لا ينسي .
قراصة تسميها (خمسة بوصة) دلالة علي سمكها.
صحن كبير عليه القراصة ذات المذاق الفريد و يعقبها البطيخ البارد شديد الحمرة و كوب شاي يظل طعمه عالقا بالفم طوال اليوم .
يوم الجمعة عند عمي و اخي عمر لا يخرج عن ذلك الا بخطوات لشراء مجلة ( العربي) و هي من اروع المجلات التي تعلمت منها القراءة النضرة .
كان عمي عمر شديد الإعجاب برئيس تحرير المجلة و هو الكيميائي المصري الدكتور أحمد زكي . كان للدكتور أحمد زكي مقالات تتراوح بين عنوانين ( مع الله في الأرض ) و ( مع الله في السماء ) . علم غزير في أسلوب سلس جذاب مشوق يربط حقائق العلم بالايمان فقد كان الرجل عالما تسنم الكثير من المواقع العلمية منها رئاسة جامعة القاهرة .

 
       *القراءة*
كان عمي عمر مرتب في كل شئ يومه الموزع بين العبادة و المدارسة و صلة الرحم و في مطالعته فقد تخير ما يسكن إليه من المطالعات والكتب .
إضافة لكتابي المدارسة في التفسير والفقه فقد رايت كتابا دائما ما يقراه لم اره عند غيره وهو كتاب يعكس شخصيته المتعمقة في التعبد بتبصر ذاك كتاب (الرعاية لحقوق الله) للعالم ابو الحارث المحاسبي .
في السيرة تخير ان يقرا عن العلامة العابد  الزاهد عبد الله بن المبارك ومن شعره الابيات المشهورة .
يا عابد الحرمين لو أبصرتنا لعلمت انك بالعبادة تلعب
من كان يخضب جيده بدموعه فرقابنا بدمائنا تتخضب.


       *المعايشة*
لا تعني هذه السيرة المتميزة ان الرجل كان منصرفا وزاهدا عن الحياة و الناس . كانت له صلات وصداقات بشخصيات متعددة منهم  من كانوا علي غير المالوف من الصفات ولكنهم كانوا ينطوون علي خير كان ينتقيهم ويحبهم .
راج بين الاسرة ان عمي عمر و والدي متخاصمان وكانا لا يسلمان علي بعضهما وتكاد الصلة بينهما تكون مقطوعة .
كنت علي يقين ان هذا الخلاف مفتعل و ذلك بسبب ان والدي كان شيوعيا و عمي إسلاميا .
و لما كنت مقتنعا ان عمي لن يخذلني فقد ذهبت لوالدي و قلت له  لماذا تخاصم اخيك ؟ قال لي انا لم اخاصمه و إنما هو من يفعل فقلت له إذا سياتينا غدا لنشرب الشاي عصرا .
و كانت جلسة تاسفت انها لم تكن مصورة  .
و نحمد الله ان والدي توفي و كان لسانه رطب بذكر الله و الشهادتين .


        *زواجه*
كان الناس يظنون ان حفل زواجه سيكون جامدا جافا لا فرح فيه .
اعد لزواجه في صمت و جاء إحتفاله فريدا  .
فقد تزوج بنت خالته التي كان يجلها و هي من توتي فاعد سيرة لا مثيل لها
خرج الناس عصرا من البيت في بري في سيرة و غناء و النساء يحملن جريد النخل إلي نهر النيل الازرق قرب الشرطة في بري المحس حيث كان البنطون في إنتظارهم . فواصلوا الغناء و الطرب و البنطون يمخر عباب النيل . عند بلوغ توتي طاف البنطون بنا حول الجزيرة فكان منظرا خلابا ينظر إليه الناس من الضفتين فرحين مستبشرين .


   *العمل الإجتماعي* .
غادر عمي عمر للعمل في سلطنة عمان و عاد و قد اسس بيته و تفرع لعمل إجتماعي واسع كان كل يومه مسخر لخدمة الحي و أهله
مضي و قد خلف بيننا صورة للعبادة و حب الخير للناس و خدمتهم و صلة الرحم و صفات قلما تجتمع في رجل لا يعرف كلمة فاحشة واحدة و لكنه يحب الكلم الطيب العفيف اللطيف .
يحب من كل شئ الحسن الرقيق الذي تتقبله النفوس .
كان يعجب بصوت الفنان احمد الجابري و كان يقول لي لو ان هذا الرجل رتل القرآن لاخذ بقلوب الناس .
و من طربه للكلمات اني كتبت له في رسالة عبارة (أسأل الله ان تكون في نعيم لا ينسي نعيم الآخرة) فطرب لها كثيرا . سمي ابنه البكر (أنس) علي الصحابي الجليل خادم رسول الله أنس بن مالك ثم أتبعه بأسماء إخوة انس و كلاها ذات دلالة احمد رسول الله ثم اكرم و النور علي شقيق زوجته وفاء لها

 
          *وفاته*
قبر العم العزيز الغالي في الجريف شرق حيث من بقي من الاهل الذين حرمتنا الحرب اللعينة ان نشهد معهم جنازته و قبره .و منعت اهل توتي الذين يحبهم كثيرا فقد حبسهم الاوباش من الترحم عليه في قبره .
لك الرحمة و المغفرة يا من تعلمنا منه رحابة الصدر و خالص المودة و العفة في كل شئ .

ليست هناك تعليقات