العيد في الوطن وبين الاهل و علي وجه الخصوص في القري له ميزه وخاصية متفرده فلونه زاهي وطعمه حلو متناهي لا يكاد يضاهيه مذاق من متاع الدنيا الا إنجاب البنين والبنات كما قالت الشاعره
عطر ريحان البلد كأنه مسك البلد
اهكذا كل ولد ام لم يلد قلبي احد
وهكذا يتضوع مسك العيد ويعم ارجاء وميادين وسوح وعرصات الافراح بالعيد السعيد الذي يتميز فيه اهل السودان بأجمل اوصاف واطباع وتقاليد الناس احتفالا وسرورا بهذه المناسبة العظيمة والشعيرة المقدسة الجسيمة
ولما كنا صغارا ايام العيد كنا نلعب ونمرح ونلهو كالعصافير في أيام الخريف ونتشوق الي حضور هذه المناسبه
واكاد اجزم انه لا يوجد اطفال يستمتعون بالعيد كما كنا نستمتع به في مناطقنا من ام الطيور الي الحسبلاب الي التميراب وكنت ممن يسعد بتجواله في هذه المناطق الثلاثه نسبة لوجود الاهل والارحام والصلاة الوثيقة بينهم وكا يقال من فتحنا عيوننا وجدنا اننا في ساحة العيد فسبحان الله مقدر الاشياء والآجال فبما انني مولود في قرية الحسبلاب حلة النخيل التي اغرقها النيل بالكامل كنا مع النازحين في ذلك العام الي حلة القوز (قوز عبدالله ود اللمين ود جادالله) ثم نزحنا الي قرية ام الطيور تقريبا 1967 وعمري آنذاك اربعة اعوام وجئنا الي موطن اجدادنا المهداب الجبارنة المسلماب بأم الطيور جنوب وكانت منزلتنا ساقية عبدالله ود الحضري ود عابدين وزوجته بتول بت غالب وكانت تسمي الساقية بالدولاب وكانت ام الطيور من المع القري في السودان بل سيرتها ولمعانها يضاهي المدن يومذاك نسبة لموقعها الجغرافي علي النيل وموقعها السياسي ارض المطارق السبعة للجعلين ولعله كان اول تنظيم اداري سياسي في منطقة الجعليين او كان تنظيما اداريا سياسيا موازيا لحكم الملوك والمشايخ يومذاك ولام الطيور بعد الاقتصادي في ارض الجعلين اذ كانت كأنها الهلال الخصيب في المنطقة وذلك لتوفر العمل والارزاق في اراضيها وجزائرها الواسعة وكانت قبلة العماله الزراعية والرعوية والفقراء والمساكين ولما تمت مصاهرة جدنا نور الدين ببنات بت غالب السيده بت الحضري ورقية بت امحدحمد أنجب من الاولي والدي ومن الآخرين عماتي بشريه وخادم الله عليهما رحمة الله جميعا فكانت تلك الدار مباذنا الي اليوم من شر النزوح ولأهلها الفضل في لم شتاتنا وقد آلت الينا تلك الدار التي نكتب الان هذه الاحرف علي ظهرها ونحن ننعم فيها بالامن والسلام
وللعلم ان منطقة ام الطيور تتكون من النمراب منزلة المك نمر في مقتل اولاد رجي والتنقاوي ولعله أسما نوبيا لم يتم تعريبه حتي اليوم ووسطه منطقة القيزان وجنوبه منطقة الدبيبة ويعتبر مسجد ام الطيور وسط هو المسجد العتيق باعتباره الاقدم يليه مباشرة مسجد ام الطيور العتيق في جنوب ومنذ القدم كان الاحتفال به.. ويتجمع اطفال حلتنا ام الطيور جنوب في جماعات ليجتمعوا في مكان الاحتفال عند شجرة السنطه والحرازه الكبيرتان والظليلتان الوارفتان حيث المراجيح والالعاب والحلويات.. وهنالك عربات تحملنا لام الطيور شمال حيث احتفالهم هناك وسط هتافات في العربات وصياح وعندما كنا نعبر خط سكة حديد شركة الاسمنت تسمع الصياح من الركاب الاطفال ليخاطبوا سائق العربه الهوستن بله مصطفي الحاج رحمه الله
السكة السكه يا حاج بلة
السكة السكة يا حاج بلة
وكانت الرحله هذه تكلف تعريفه ماشي وتعريفه جاي
وعندما يحضر الكمساري لخلصان الركاب يصيحوا فيه
تعريفتك شالها السواق
تعريفتك شالها السواق
السكه السكه ياحاج بله
السكه السكه ياحاج بله
ثم تعود العربات مرة اخري وتحمل معها من هو عائد ومن هو زائر لاهله وارحامه ومنهم من يعود لمكان الاحتفال بالحرارة والسنطة ويظل الناس متواجدين طوال النهار ويحضر المقدم احمد ود المقدم وزوجته علوية بت الحسين يحضرون العصيدة بالتقليه ويقومون بأفطار كل الحضور ونحن حينها في متعة لا تضاهيها متعة وكنا نذهب انا واخوتي الي الاهل بالحسبلاب بمباركة العيد وندخل كل البيوت بيت بيت (زنقه زنقه) لأنهم كلللهم الاهل والعشيرة وكنا نذهب الي العيد في التميراب حلة ود حنين (الفكي الطاهر ود حنين) وكان نمر علي قرية ود جلال الدين (الجلالاب) وكان البروفسور عبدالله الطيب يحضر معاهم كل عام العيد الصغير عيد الفطر من رمضان وكانوا يتحلقون حول شجرة كبيرة ورافة الظلال وهم في حالة طروبة من المديح والنغم الفصيح
وقد ذكرها عبدالله الطيب في كلمته المشهورة عند افتتاح جامعة كنو في نيجيريا وكان قد كلف بتأسيس كلية اللغة العربية في الجامعة وقد استوطن في مدينة جوس حيث الجبال الشاهقات
فانشد كلمته المشهورة
عرج علي جوس واعقد بها الوطنا
ان الجبال بجوس هجن لي حزنا
وكان العيد في التميراب حول الخلوة والمسيد مسيد ود حنين وكنا نشهد به كل تفاصيل الجمال الطبيعي في قرية الحلنلقه
ويظل الامر كذلك حتي ينتهي الاحتفال عصرا وفي ثاني ايام العيد يذهب بعض الاطفال للاحتفال بالعيد في ميدان المولد بمدينة عطبرة ويتجولون في موقع الاحتفال وحديقة الحيوان وحديقة البلدية ويعودون مساءا لاهلهم وهم يحملون ألعابهم في نشوة وفرح وسرور وبهجة وكنت قد حضرتنى البدية البسيطة في تصوير هذه المشاهد حرفيا بملكتي المتواصعة
فانشدت هذه المقطوعات وانا سعيد أيما سعادة بهذه الصورة الرائعة البسيطة المتواضعة والي كلماتها
فديتك هل قدمت بلادنا
في يوم عيد
ام هل رايت حماسنا نتلوا نشيد
او ما سمعت بأننا نهوي المسيد
قسما لزائرنا اذا اقبل سعيد
نحن في الاعياد
امجاد في امجاد
تعافي ائتلافى
علي خطي الأجداد
حبور والزهور
واللعب والسجاد
كأن العيد ابانا
وكأننا الاولاد
في منظر خلاب يذهل العقول
يلتقيك صاحب وآخر عجول
يضمك قليلا ومسرعا يقول
عقبالك الزواج ومسجد الرسول
اثارني التسامح وتبادل الدخول
والعربة والحصان والطار والطبول
واحمد المقدم
مبدر مهندم
وصارم تراه
الكلام في تعدم
لايبتغي المزاحا
وبعده التندم
لكنه سعيد طليق
الوجه انعم
وجاء ابو حميد
بصوته الغليد
مزمجر وهادر
وهائج اكيد
يقود في السفينه
بحيث مايريد
وحوله الدراوشه
في حلقة الحديد
وينتهي من شوطه
ويبدأ من جديد
اواه ياسكينه
اواهة حنينه
تميل في اضطراب
برقة ولينه
طروبة الحنايا
عشيقة دفينه
سباحة الخيال
تخالها سفينه
لكنها حقيقة
اواهة حنينه
وقد اتي الشفيع
مترجم وجيع
يدور في ودور
تخافه يضيع
يعض اصبعيه
كأنه لسيع
والطار والطبول
من حوله هزيع
ويهدأ إذ هدأنه
كأنه رضيع
وذاك هو قدوره
بصوته و صوره
يشيل في المديح
بمدحت مشهوره
والناس في الحرازه
مغمورة مسروره
والسنطة يوم ذاك
في بهجة منظوره
محشودة محفودة
مضوع بخورها
حريقه ياحريقه
يامعدن الطريقه
ياقايد ورايد
وعارف الحقيقه
يرشهم بالماء
مخافة الحريقه
لأنهم سكاري
في نشوة وثيقه
وهكذا يلاعب
العيد في القري مقدس تراه
الشاي والفطور اول ما بداه
السعد والسرور والنور من سناه
ما اعظم الهدايا بنعمة الإله

